ابن قيم الجوزية
127
البدائع في علوم القرآن
ومالكها وراحمها كرامته ، قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه ، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه ، ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه . ومنها : أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه ، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده ، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة ، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء ، تراق دماؤهم في محبته ومرضاته ، ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم ، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو . ومنها : أن اللّه - سبحانه - إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم ، قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ، ومن أعظمها - بعد كفرهم - بغيهم ، وطغيانهم ، ومبالغتهم في أذى أوليائه ، ومحاربتهم ، وقتالهم ، والتسلط عليهم ، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم ، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم . وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 ) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) [ آل عمران ] ، فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم ، وإحياء عزائمهم وهممهم ، وبين حسن التسلية ، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم فقال : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [ آل عمران : 140 ] ، فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم ، فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان ، وأنتم أصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي . ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس ، وأنها عرض حاضر ، يقسمها دولا بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة ، فإن عزها ونصرها ورجاءها خالص للذين آمنوا . ثم ذكر حكمة أخرى ، وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين ، فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه ، وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ، وإنما يترتب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحس . ثم ذكر حكمه أخرى ، وهي اتخاذه - سبحانه - منهم شهداء ، فإنه يحب الشهداء من عباده ، وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها ، وقد اتخذهم لنفسه ، فلا بد أن ينيلهم درجة